sayed
08-02-2008, 01:48 PM
الخلُق الأول : الإتقان :
الإتقان هو : أداء العمل بطريقة جيدة ، وصحيحة ، وهو مما أمر به الشرع ، قال e ( إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ) ( رواه البيهقي )
وبين هذه الصفة وصفة القوة ارتباط نوعي ، حيث إن من يكون قوياً على عمله ، فغالباً يتقنه ، ومن لا فلا .
وقد يفترقان ؛ فيكون الرجل قوياً على عمله ، ولكنه لا يتقنه بسبب الاستعجال ، أو عدم تلقي التعليمات بشكل صحيح ، أو الإهمال .
ومثال عدم إتقان العمل ، أو الإهمال فيه : كتابة التقارير بطريقة ناقصة ، وإضاعة أوراق مهمة للمراجعين أو للمؤسسة ، وفي الصناعة : نسيان بعض الآلات المهمة من أدوات المعدات ، وفي المختبرات : نسيان بعض المحاليل اللازمة للمادة المصنَّعة ، وفي الطب : عدم إتمام علاج المريض بطريقة متقنة .
الخلُق الثاني : الانضباط في الوقت :
وله ثلاث صور تدخل فيه : الأولى : الالتزام بالحضور والانصراف في وقت الدوام المتفق عليه بين العامل وصاحب العمل ؛ لأن المؤمنين عند شروطهم ، فلا يجوز الحضور متأخراً ، والانصراف مبكراً دون إذن صاحب العمل . وإذا حدث من الموظف تأخُّر في الدوام فعليه أن يعوِّض ذلك بوقتٍ إضافي ، أو عملٍ إضافي يقدمه للعمل .
والصورة الثانية : أن يخصص الموظف وقت العمل لأداء العمل ، فلا يجوز شرعاً ونظاماً الانشغال أثناء الدوام بمصالح شخصية لا تخدم العمل ، إلا في نوعٍ من الأعمال التي لا تتطلب الانشغال الدائم بمصالح العمل ، كالمعقّب الذي يقوم بأداء ما يطلب منه يومياً بغضّ النظر عن الوقت الذي يقضي فيه عمله ، وسائق الحافلة الذي يقوم بتوصيل الطلاب والطالبات إلى مكان دراستهم ، أو العمال إلى أماكن عملهم ، ثم لا حرج عليه فيما زاد من الوقت .
والصورة الثالثة : أن يلتزم بأوقات الاجتماعات ، والمواعيد الأخرى الخاصة بالعمل ؛ لأنها جزء من الالتزام الوظيفي .
الخلُق الثالث : المحافظة على سمعة الوظيفة وأسرارها :
حفظ السرّ فضيلة ؛ فقد قال e ( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمةٍ محسود ) ( رواه الطبراني )
واتفق العقلاء على فضيلة كتمان السرّ ، وقالوا : العفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار ، لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه ، ويشحّ باليسير من ماله ضناً به وحفظاً له ، ولذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذُّراً وأقل وجوداً من أمناء الأموال .
وهذا يتأكد في الوظائف ذات الصفة الخاصة ، كالطب ، والعسكرية ، والقضاء ، والمناصب العليا ، ففيها من الأسرار ما يحتاج فيه العامل إلى درجةٍ عالية من الأمانة ؛ لئلا يفشي أسرار العمل ، أو أسرار الناس ، ولذا وُضِع في بعضها قسَم يؤديه المتقدم زيادةً في التعهد بحفظ الأسرار ، كقسَم الطبيب [1]، والعسكري.
والأسرار الوظيفية منها ما يتعلق بالأشخاص ، ومنها ما يتعلق بالأعمال ؛ فما يتعلق بالأشخاص كالظروف الشخصية للموظفين التي يعلم عنها المدير ، أو بعض الزملاء .
وما يتعلق بالعمل ، كعدم كشف اسم المؤسسة ومقدار عرضها في لجنة المظاريف الموكلة باختيار أفضل العروض المقدَّمة ، وعدم كشف ما يدور في الاجتماعات الخاصة .
وإذا كان حفظ السر فضيلة ، فلمن حافظ على أسرار الناس أجرٌ عظيم ، فإن الله تعالى يستره في الدنيا والآخرة ؛ يستره عن الكائدين ، ويستر عيوبه وعوراته ( من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ) ( رواه مسلم )
الخلُق الرابع : النزاهة وعدم استغلال السلطة والنفوذ لمصالحَ شخصية :
تحصيل المصلحة الشخصية هو الأصل في الأعمال الخاصة ، والمؤسسات الأهلية ، ونحوها ، بالنسبة لصاحب المؤسسة أو المنشأة ، فإن أصحاب الأعمال الخاصة ما أنشأوا أعمالهم إلا من أجل المصلحة الشخصية ، ولكن قد يستعمل صاحب المؤسسة نفوذه للضغط على الموظفين في القطاع العام ، لتمرير مطالبه ، وتسهيل مصالحه ، وهنا يكون الخطأ ، لا من جانب من استجاب له من موظفي القطاع العام ، بل من جانب صاحب المؤسسة أيضاً حيث أعانه على المعصية والإثم ، بمخالفة النظام ، ونشر المحسوبية في الوظيفة .
أما المسؤلين والموظفين في القطاع العام ، فإنهم أكثر تعرضاً للخطأ في هذا الجانب ، ويقع بعضهم في مخالفات شرعية مثل : طلب الرشوة ، والتنازل عن المواصفات المطلوبة لمشروعٍ مقابل أخذ مبلغٍ من المال ، وقبول الهدايا الشخصية ، وتأخير المستحقات ليرغم المتقدمين على دفع المال ، وتوظيف الأقارب والأرحام والأصدقاء وهم غير مؤهلين .
والحقيقة أن الوظيفة تعطي الموظف والمسؤل مكانةً اجتماعية ، من العلاقات الاجتماعية ، والميزات الوظيفية ، مما يغريه باستغلالها لمصلحته الشخصية ، فإذا لم يتق الله تعالى ويراقبه ، فإنه سيقع في كثيرٍ من المخالفات الشرعية ، والنظامية .
لذا يجب الفصل بين الوظيفة والعلاقات الشخصية ، بقدر المستطاع ، بحيث لا تؤثر إحداهما على الأخرى . فكما أن بعض المسؤلين يسخِّر الوظيفة لعلاقاته الشخصية ، فإن بعضهم يفقد علاقاته الشخصية بسبب الوظيفة .
وهذه النزاهة هي مصدر احترام الموظفين للمسؤل ، فحيثما وجدت وجد الاحترام ، وحيثما فقدت فقد الاحترام ، ومن هنا قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : عففت فعفَّت رعيَّتك ، ولو رتعت لرتعوا .
الخلُق الخامس : التواضع :
التواضع فضيلةٌ عظيمة ، يكفي فيها قول النبي e ( من تواضع لله رفعه الله ) ( رواه مسلم ) فالمسؤل المتواضع يتفقد حاجات زملائه الموظفين ، ويجالسهم ، ويشاركهم في المناسبات ، والموظف يتواضع لزملائه ، وللمراجعين، فيقدّر حاجاتهم ، ويجتهد في خدمتهم .
وهذا مما يشيع روح الفريق الواحد بين المسؤل والعاملين معه ، ويفسح المجال للانفتاح بين الموظفين لتقديم النصح فيما فيه مصلحة العمل .
ومن الأفكار الجميلة عمل مناسبات اجتماعية متكررة لزملاء المهنة ، وموظفي المؤسسة لكسر الحاجز الوهمي بين الناس .
أما التعالي من قِبل المسؤولين وأرباب الأعمال ؛ فإنه مرض نفسيّ قبل أن يكون مرضاً وظيفياً ، وأين هم من قول الحق سبحانه وتعالى } وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً { ( الاسراء :37) ؟
وقال النبي ( من ولي من أمر المسلمين شيئاً ، فاحتجب دون خلَّتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم ، احتجب الله عز وجل يوم القيامة دون خلَّته وحاجته وفاقته وفقره ) رواه أبو داود وابن ماجه عن .
والتعالي يؤدي إلى انتشار الحقد ، والكراهية ، ويزيد من القطيعة بين الموظفين والمدراء ، ويمنع من الاتصال الفعال بينهم .
الخلُق السادس : حبّ نفع الآخرين :
فالوظيفة مجالٌ جيد لخدمة الآخرين ، في تسهيل أمورهم ، وإنهاء معاملاتهم ، والشفاعة لهم ، فمن احتسب الأجر عند الله في أداء وظيفته ؛ فإن الله تعالى ينزله منازل الأبرار ، قال e ( أحب الناس إلى الله أنفعهم ) ( رواه الطبراني) ، وقال e ( إن لله تعالى عباداً اختصهم بحوائج الناس ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله ) ( رواه الطبراني)
وما أجمل اللحظة التي يخدم فيها المسؤل أحد الموظفين ، أو يخدم الموظف أحداً من الناس ، فينصرف الرجل وهو يرفع يديه إلى الله تعالى يدعو لهذا الموظف الذي خدمه ، بأن يوفقه الله ، ويحفظ له أبناءه .
الخلُق السابع : العدل :
العدل من أوجب الواجبات في نظام العمل الإسلامي ، وهو فضيلةٌ متفق عليها بين جميع الشرائع ، إلا أنها أظهر في الشريعة الإسلامية ، قال سبحانه } قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ {(الأعراف: الآية29) ، وقال الله تعالى في الحديث القدسي ( يا عبادي ؛ إني حرمت الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً ، فلا تَظالموا ) - أي : لا يظلم بعضكم بعضاً - ( رواه مسلم )
وروى البخاري أن امرأة سرقت في عهد رسول الله e في غزوة الفتح ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهما يستشفعونه – لقربه من النبي e - ، فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله e ، وقال ( أتكلمني في حدٍّ من حدود الله ؟) . فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العشاء ، قام رسول الله e ، خطيباً ، فأثنى على الله ، ثم قال : ( أما بعد ، فإنما هلك الناس أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )
وقد ضرب لنا السلف الصالح أمثلةً ناصعةً في هذا المبدأ نذكر منها على سبيل المثال : ورد في ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم قال : وليت هذا الحكم و أرجو الله أن لا يسألني عن جورٍ ولا ميل إلى أحدٍ إلا يوماً واحداً ؛ جاءني رجل فذكر أن له بستاناً وأنه في يد أمير المؤمنين ، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته ، فقال : البستان لي اشتراه لي المهدي . فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يحضر لأسمع دعواه ، فأحضره ، فادعى بالبستان ، فقلت : ما تقول يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هو بستاني . فقلت للرجل : قد سمعتَ ما أجاب . فقال الرجل : يحلف . فقلت : أتحلف يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا . فحكمتُ بالبستان للمدعي . قال : فكنت في أثناء الخصومة أودّ أن ينفصل ، ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة .
وليس العدل مختصاً بالقضاء ، بل العدل في كل صاحب ولاية ، كما ورد في الحديث ( ما من والٍ يلي أمر عشرة من المسلمين ، إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه حتى يفكَّه عدله أو يوبقه جوره ) رواه أحمد .
وقال صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ ، وكلكم مسؤل عن رعيته ) رواه الجماعة .
ومن مجالات العدل التطبيقيه في الوظيفة : توضيح حقوق وواجبات كل موظف ؛ لأن بعض المسؤلين لا يوضِّح للموظف هذه الواجبات ثم يؤاخذه على عدم تطبيقها ، وهذا ليس من العدل .
ومن مجالات العدل في الوظيفة : المساواة بين الموظفين في المعاملة ، والحقوق ، دون تمييز بينهم غيرَ مبرر ، فإن العدل يقتضي المساواة بين المتماثلين
ويجعل الإسلام المخلّ بهذا المبدأ ، الواقع في الظلم ، معرَّضاً للعقوبة ( إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له : أنت ظالم فقد تودِّع منهم ) ( رواه أحمد )
وللظلم في الوظيفة صور عديدة ؛ منها :
عدم إعطاء التقييم الصحيح للموظف .
عدم إعطاء المكافأة المستحقة للموظف .
منع الميزات الوظيفية والفرص المادية والمعنوية للموظف ، أو إخفائها .
تمييز بعض الموظفين على بعض على أساس شخصي .
تشغيل الموظف في غير ما اتفق عليه .
ويجب على من يضع أنظمة العمل أن يراعي هذا المبدأ ، فيوضِّح كيفية التقييم ، وتكون أنظمة العمل واضحة ، لئلا يقع الاجتهاد غير المدروس من قبل المسؤلين ، فيقع الظلم .
وقد أنشأت المملكة العربية السعودية ديواناً للمظالم يختصّ بما يتعلق بالوظائف العامة من شكاوى ، وقضايا ، ووضعت في كل مكتب للعمل محكمة عمالية تحكم في المظالم بين أصحاب الأعمال وعمَّالهم ، ووضعت نظاماً تفصيلياً للعمل ، لئلا يقع الظلم ، وسيأتي بيان بعض اللوائح والأنظمة .
الخلُق الثامن : الصدق :
قال الله تعالى } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ { (التوبة :119) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بالصدق ؛ فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً ) ( متفق عليه )
والصدق في كتابة التقارير الطبية ، أو التقارير عن المشاريع ، أو التقارير عن الموظفين ، و الصدق في المخططات الإنشائية أو الصناعية ، والصدق في الإجازات العادية أو المرضية ، كل ذلك من أنواع الصدق .
بل الصدق في الأخبار أيضاً ، كأن يكلف المسؤل أحد الموظفين بعملٍ ما بحجة الاستعداد لمناسبة ، وهو يعلم أن هذه المناسبة وهمية غير صحيحة ، فقد كذب على الموظف في هذه الحالة ، ولا حق له ، وإن كان قصده تشغيل الموظف المهمل في العمل .
وعكس الصدق في المهنة ما يعرف بالتزوير ، وأصله لغة من الزور وهو البروز ، وزوَّر الكلام : زخرفه وموَّهه، ويعرَّف التزوير وظيفياً بأنه : تغيير الحقيقة بإحدى الطرق المقررة نظاماً مع اقتران هذا التغيير بنية استعمال المحرر المزوَّر فيما زوِّر من أجله ، وأن يترتب عليه ضرر للغير (كسب الموظفين : 155 ). وسيأتي ذكر نظام التزوير وما يترتب عليه عقوبات .
الخلُق التاسع : الاحترام :
أمر الله تعالى بمعاملة الناس بالحسنى ، فقال سبحانه } وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً{ (البقرة : الآية83) ، وخصّ الصاحب بالجنب بالمعاملة الحسنة في قوله عز وجل{ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ { (النساء : الآية36) فالجار ذي القربى : الجار القريب في النسب ، والجار الجنُب : الجار القريب في المنزل ، والصاحب بالجَنب : الرفيق في البيت ، والعمل ، والسفر .
فحريٌّ بالمسلم أن يعامل زملاء العمل ، والمراجعين بالحسنى :
في بشاشة اللقاء ؛ لقوله ( تبسُّمك في وجه أخيك صدقة ) رواه مسلم .
وفي الاهتمام بأمورهم وتقديم الخدمة الممكنة لهم ؛ لقوله e ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه الشيخان .
وفي عدم إحراجهم أو إهانتهم ؛ لقوله تعالى } وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً{ (الأحزاب:58)
وليس هذا مقصوراً على المسلمين فقط ، بل حتى غير المسلمين من زملاء العمل يجب معاملتهم بالحسنى ؛ بالتحية ، والمشاركة في المناسبات غير الدينية ، للعموم في قوله سبحانه ] وقولوا للناس حسناً [ ، وقد تقدم أدب التعامل مع غير المسلم .
الأنشطة والواجبات:
1- ذكر ثلاثة أمور تعين على النزاهة ، ومراعاة المصلحة العامة .
2- اذكر ثلاثاً من مجالات العدل ، وثلاثاً من مجالات الظلم في الوظيفة .
الإتقان هو : أداء العمل بطريقة جيدة ، وصحيحة ، وهو مما أمر به الشرع ، قال e ( إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ) ( رواه البيهقي )
وبين هذه الصفة وصفة القوة ارتباط نوعي ، حيث إن من يكون قوياً على عمله ، فغالباً يتقنه ، ومن لا فلا .
وقد يفترقان ؛ فيكون الرجل قوياً على عمله ، ولكنه لا يتقنه بسبب الاستعجال ، أو عدم تلقي التعليمات بشكل صحيح ، أو الإهمال .
ومثال عدم إتقان العمل ، أو الإهمال فيه : كتابة التقارير بطريقة ناقصة ، وإضاعة أوراق مهمة للمراجعين أو للمؤسسة ، وفي الصناعة : نسيان بعض الآلات المهمة من أدوات المعدات ، وفي المختبرات : نسيان بعض المحاليل اللازمة للمادة المصنَّعة ، وفي الطب : عدم إتمام علاج المريض بطريقة متقنة .
الخلُق الثاني : الانضباط في الوقت :
وله ثلاث صور تدخل فيه : الأولى : الالتزام بالحضور والانصراف في وقت الدوام المتفق عليه بين العامل وصاحب العمل ؛ لأن المؤمنين عند شروطهم ، فلا يجوز الحضور متأخراً ، والانصراف مبكراً دون إذن صاحب العمل . وإذا حدث من الموظف تأخُّر في الدوام فعليه أن يعوِّض ذلك بوقتٍ إضافي ، أو عملٍ إضافي يقدمه للعمل .
والصورة الثانية : أن يخصص الموظف وقت العمل لأداء العمل ، فلا يجوز شرعاً ونظاماً الانشغال أثناء الدوام بمصالح شخصية لا تخدم العمل ، إلا في نوعٍ من الأعمال التي لا تتطلب الانشغال الدائم بمصالح العمل ، كالمعقّب الذي يقوم بأداء ما يطلب منه يومياً بغضّ النظر عن الوقت الذي يقضي فيه عمله ، وسائق الحافلة الذي يقوم بتوصيل الطلاب والطالبات إلى مكان دراستهم ، أو العمال إلى أماكن عملهم ، ثم لا حرج عليه فيما زاد من الوقت .
والصورة الثالثة : أن يلتزم بأوقات الاجتماعات ، والمواعيد الأخرى الخاصة بالعمل ؛ لأنها جزء من الالتزام الوظيفي .
الخلُق الثالث : المحافظة على سمعة الوظيفة وأسرارها :
حفظ السرّ فضيلة ؛ فقد قال e ( استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمةٍ محسود ) ( رواه الطبراني )
واتفق العقلاء على فضيلة كتمان السرّ ، وقالوا : العفة عن الأموال أيسر من العفة عن إذاعة الأسرار ، لأن الإنسان قد يذيع سر نفسه ، ويشحّ باليسير من ماله ضناً به وحفظاً له ، ولذلك كان أمناء الأسرار أشد تعذُّراً وأقل وجوداً من أمناء الأموال .
وهذا يتأكد في الوظائف ذات الصفة الخاصة ، كالطب ، والعسكرية ، والقضاء ، والمناصب العليا ، ففيها من الأسرار ما يحتاج فيه العامل إلى درجةٍ عالية من الأمانة ؛ لئلا يفشي أسرار العمل ، أو أسرار الناس ، ولذا وُضِع في بعضها قسَم يؤديه المتقدم زيادةً في التعهد بحفظ الأسرار ، كقسَم الطبيب [1]، والعسكري.
والأسرار الوظيفية منها ما يتعلق بالأشخاص ، ومنها ما يتعلق بالأعمال ؛ فما يتعلق بالأشخاص كالظروف الشخصية للموظفين التي يعلم عنها المدير ، أو بعض الزملاء .
وما يتعلق بالعمل ، كعدم كشف اسم المؤسسة ومقدار عرضها في لجنة المظاريف الموكلة باختيار أفضل العروض المقدَّمة ، وعدم كشف ما يدور في الاجتماعات الخاصة .
وإذا كان حفظ السر فضيلة ، فلمن حافظ على أسرار الناس أجرٌ عظيم ، فإن الله تعالى يستره في الدنيا والآخرة ؛ يستره عن الكائدين ، ويستر عيوبه وعوراته ( من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة ) ( رواه مسلم )
الخلُق الرابع : النزاهة وعدم استغلال السلطة والنفوذ لمصالحَ شخصية :
تحصيل المصلحة الشخصية هو الأصل في الأعمال الخاصة ، والمؤسسات الأهلية ، ونحوها ، بالنسبة لصاحب المؤسسة أو المنشأة ، فإن أصحاب الأعمال الخاصة ما أنشأوا أعمالهم إلا من أجل المصلحة الشخصية ، ولكن قد يستعمل صاحب المؤسسة نفوذه للضغط على الموظفين في القطاع العام ، لتمرير مطالبه ، وتسهيل مصالحه ، وهنا يكون الخطأ ، لا من جانب من استجاب له من موظفي القطاع العام ، بل من جانب صاحب المؤسسة أيضاً حيث أعانه على المعصية والإثم ، بمخالفة النظام ، ونشر المحسوبية في الوظيفة .
أما المسؤلين والموظفين في القطاع العام ، فإنهم أكثر تعرضاً للخطأ في هذا الجانب ، ويقع بعضهم في مخالفات شرعية مثل : طلب الرشوة ، والتنازل عن المواصفات المطلوبة لمشروعٍ مقابل أخذ مبلغٍ من المال ، وقبول الهدايا الشخصية ، وتأخير المستحقات ليرغم المتقدمين على دفع المال ، وتوظيف الأقارب والأرحام والأصدقاء وهم غير مؤهلين .
والحقيقة أن الوظيفة تعطي الموظف والمسؤل مكانةً اجتماعية ، من العلاقات الاجتماعية ، والميزات الوظيفية ، مما يغريه باستغلالها لمصلحته الشخصية ، فإذا لم يتق الله تعالى ويراقبه ، فإنه سيقع في كثيرٍ من المخالفات الشرعية ، والنظامية .
لذا يجب الفصل بين الوظيفة والعلاقات الشخصية ، بقدر المستطاع ، بحيث لا تؤثر إحداهما على الأخرى . فكما أن بعض المسؤلين يسخِّر الوظيفة لعلاقاته الشخصية ، فإن بعضهم يفقد علاقاته الشخصية بسبب الوظيفة .
وهذه النزاهة هي مصدر احترام الموظفين للمسؤل ، فحيثما وجدت وجد الاحترام ، وحيثما فقدت فقد الاحترام ، ومن هنا قال رجل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : عففت فعفَّت رعيَّتك ، ولو رتعت لرتعوا .
الخلُق الخامس : التواضع :
التواضع فضيلةٌ عظيمة ، يكفي فيها قول النبي e ( من تواضع لله رفعه الله ) ( رواه مسلم ) فالمسؤل المتواضع يتفقد حاجات زملائه الموظفين ، ويجالسهم ، ويشاركهم في المناسبات ، والموظف يتواضع لزملائه ، وللمراجعين، فيقدّر حاجاتهم ، ويجتهد في خدمتهم .
وهذا مما يشيع روح الفريق الواحد بين المسؤل والعاملين معه ، ويفسح المجال للانفتاح بين الموظفين لتقديم النصح فيما فيه مصلحة العمل .
ومن الأفكار الجميلة عمل مناسبات اجتماعية متكررة لزملاء المهنة ، وموظفي المؤسسة لكسر الحاجز الوهمي بين الناس .
أما التعالي من قِبل المسؤولين وأرباب الأعمال ؛ فإنه مرض نفسيّ قبل أن يكون مرضاً وظيفياً ، وأين هم من قول الحق سبحانه وتعالى } وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً { ( الاسراء :37) ؟
وقال النبي ( من ولي من أمر المسلمين شيئاً ، فاحتجب دون خلَّتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم ، احتجب الله عز وجل يوم القيامة دون خلَّته وحاجته وفاقته وفقره ) رواه أبو داود وابن ماجه عن .
والتعالي يؤدي إلى انتشار الحقد ، والكراهية ، ويزيد من القطيعة بين الموظفين والمدراء ، ويمنع من الاتصال الفعال بينهم .
الخلُق السادس : حبّ نفع الآخرين :
فالوظيفة مجالٌ جيد لخدمة الآخرين ، في تسهيل أمورهم ، وإنهاء معاملاتهم ، والشفاعة لهم ، فمن احتسب الأجر عند الله في أداء وظيفته ؛ فإن الله تعالى ينزله منازل الأبرار ، قال e ( أحب الناس إلى الله أنفعهم ) ( رواه الطبراني) ، وقال e ( إن لله تعالى عباداً اختصهم بحوائج الناس ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون من عذاب الله ) ( رواه الطبراني)
وما أجمل اللحظة التي يخدم فيها المسؤل أحد الموظفين ، أو يخدم الموظف أحداً من الناس ، فينصرف الرجل وهو يرفع يديه إلى الله تعالى يدعو لهذا الموظف الذي خدمه ، بأن يوفقه الله ، ويحفظ له أبناءه .
الخلُق السابع : العدل :
العدل من أوجب الواجبات في نظام العمل الإسلامي ، وهو فضيلةٌ متفق عليها بين جميع الشرائع ، إلا أنها أظهر في الشريعة الإسلامية ، قال سبحانه } قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ {(الأعراف: الآية29) ، وقال الله تعالى في الحديث القدسي ( يا عبادي ؛ إني حرمت الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرماً ، فلا تَظالموا ) - أي : لا يظلم بعضكم بعضاً - ( رواه مسلم )
وروى البخاري أن امرأة سرقت في عهد رسول الله e في غزوة الفتح ، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد رضي الله عنهما يستشفعونه – لقربه من النبي e - ، فلما كلمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله e ، وقال ( أتكلمني في حدٍّ من حدود الله ؟) . فقال أسامة : استغفر لي يا رسول الله . فلما كان العشاء ، قام رسول الله e ، خطيباً ، فأثنى على الله ، ثم قال : ( أما بعد ، فإنما هلك الناس أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها )
وقد ضرب لنا السلف الصالح أمثلةً ناصعةً في هذا المبدأ نذكر منها على سبيل المثال : ورد في ترجمة القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم قال : وليت هذا الحكم و أرجو الله أن لا يسألني عن جورٍ ولا ميل إلى أحدٍ إلا يوماً واحداً ؛ جاءني رجل فذكر أن له بستاناً وأنه في يد أمير المؤمنين ، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته ، فقال : البستان لي اشتراه لي المهدي . فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يحضر لأسمع دعواه ، فأحضره ، فادعى بالبستان ، فقلت : ما تقول يا أمير المؤمنين ؟ فقال : هو بستاني . فقلت للرجل : قد سمعتَ ما أجاب . فقال الرجل : يحلف . فقلت : أتحلف يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا . فحكمتُ بالبستان للمدعي . قال : فكنت في أثناء الخصومة أودّ أن ينفصل ، ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة .
وليس العدل مختصاً بالقضاء ، بل العدل في كل صاحب ولاية ، كما ورد في الحديث ( ما من والٍ يلي أمر عشرة من المسلمين ، إلا جاء يوم القيامة ويداه مغلولتان إلى عنقه حتى يفكَّه عدله أو يوبقه جوره ) رواه أحمد .
وقال صلى الله عليه وسلم ( كلكم راعٍ ، وكلكم مسؤل عن رعيته ) رواه الجماعة .
ومن مجالات العدل التطبيقيه في الوظيفة : توضيح حقوق وواجبات كل موظف ؛ لأن بعض المسؤلين لا يوضِّح للموظف هذه الواجبات ثم يؤاخذه على عدم تطبيقها ، وهذا ليس من العدل .
ومن مجالات العدل في الوظيفة : المساواة بين الموظفين في المعاملة ، والحقوق ، دون تمييز بينهم غيرَ مبرر ، فإن العدل يقتضي المساواة بين المتماثلين
ويجعل الإسلام المخلّ بهذا المبدأ ، الواقع في الظلم ، معرَّضاً للعقوبة ( إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له : أنت ظالم فقد تودِّع منهم ) ( رواه أحمد )
وللظلم في الوظيفة صور عديدة ؛ منها :
عدم إعطاء التقييم الصحيح للموظف .
عدم إعطاء المكافأة المستحقة للموظف .
منع الميزات الوظيفية والفرص المادية والمعنوية للموظف ، أو إخفائها .
تمييز بعض الموظفين على بعض على أساس شخصي .
تشغيل الموظف في غير ما اتفق عليه .
ويجب على من يضع أنظمة العمل أن يراعي هذا المبدأ ، فيوضِّح كيفية التقييم ، وتكون أنظمة العمل واضحة ، لئلا يقع الاجتهاد غير المدروس من قبل المسؤلين ، فيقع الظلم .
وقد أنشأت المملكة العربية السعودية ديواناً للمظالم يختصّ بما يتعلق بالوظائف العامة من شكاوى ، وقضايا ، ووضعت في كل مكتب للعمل محكمة عمالية تحكم في المظالم بين أصحاب الأعمال وعمَّالهم ، ووضعت نظاماً تفصيلياً للعمل ، لئلا يقع الظلم ، وسيأتي بيان بعض اللوائح والأنظمة .
الخلُق الثامن : الصدق :
قال الله تعالى } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ { (التوبة :119) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بالصدق ؛ فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً ) ( متفق عليه )
والصدق في كتابة التقارير الطبية ، أو التقارير عن المشاريع ، أو التقارير عن الموظفين ، و الصدق في المخططات الإنشائية أو الصناعية ، والصدق في الإجازات العادية أو المرضية ، كل ذلك من أنواع الصدق .
بل الصدق في الأخبار أيضاً ، كأن يكلف المسؤل أحد الموظفين بعملٍ ما بحجة الاستعداد لمناسبة ، وهو يعلم أن هذه المناسبة وهمية غير صحيحة ، فقد كذب على الموظف في هذه الحالة ، ولا حق له ، وإن كان قصده تشغيل الموظف المهمل في العمل .
وعكس الصدق في المهنة ما يعرف بالتزوير ، وأصله لغة من الزور وهو البروز ، وزوَّر الكلام : زخرفه وموَّهه، ويعرَّف التزوير وظيفياً بأنه : تغيير الحقيقة بإحدى الطرق المقررة نظاماً مع اقتران هذا التغيير بنية استعمال المحرر المزوَّر فيما زوِّر من أجله ، وأن يترتب عليه ضرر للغير (كسب الموظفين : 155 ). وسيأتي ذكر نظام التزوير وما يترتب عليه عقوبات .
الخلُق التاسع : الاحترام :
أمر الله تعالى بمعاملة الناس بالحسنى ، فقال سبحانه } وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً{ (البقرة : الآية83) ، وخصّ الصاحب بالجنب بالمعاملة الحسنة في قوله عز وجل{ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ { (النساء : الآية36) فالجار ذي القربى : الجار القريب في النسب ، والجار الجنُب : الجار القريب في المنزل ، والصاحب بالجَنب : الرفيق في البيت ، والعمل ، والسفر .
فحريٌّ بالمسلم أن يعامل زملاء العمل ، والمراجعين بالحسنى :
في بشاشة اللقاء ؛ لقوله ( تبسُّمك في وجه أخيك صدقة ) رواه مسلم .
وفي الاهتمام بأمورهم وتقديم الخدمة الممكنة لهم ؛ لقوله e ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) رواه الشيخان .
وفي عدم إحراجهم أو إهانتهم ؛ لقوله تعالى } وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً{ (الأحزاب:58)
وليس هذا مقصوراً على المسلمين فقط ، بل حتى غير المسلمين من زملاء العمل يجب معاملتهم بالحسنى ؛ بالتحية ، والمشاركة في المناسبات غير الدينية ، للعموم في قوله سبحانه ] وقولوا للناس حسناً [ ، وقد تقدم أدب التعامل مع غير المسلم .
الأنشطة والواجبات:
1- ذكر ثلاثة أمور تعين على النزاهة ، ومراعاة المصلحة العامة .
2- اذكر ثلاثاً من مجالات العدل ، وثلاثاً من مجالات الظلم في الوظيفة .